الشيخ محمد رشيد رضا

315

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الآيتين بمصداقه من سيرة الأمم الماضية وسنته تعالى فيهم فقال عاطفا له على ما قبله وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا الخطاب لأمة الدعوة المحمدية وجه أولا وبالذات إلى قوم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأهل وطنه مكة إذ أنزلت سورة فيها فهو التفات يفيد مزيد التنبيه وتوجيه أذهان المخاطبين لموضوعه ، والقرون الأمم وهو جمع قرن بالفتح ومعناه القوم المقترنون في زمن واحد ، وقد ذكر اهلاك القرون في آيات عديدة من السور المكية ، وبدأ هذه بتأكيد القسم المدلول عليه باللام ( ولقد ) وصرح بأن سبب هلاكهم وقوع الظلم منهم كما قال في سورة الكهف ( 17 : 60 وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً ) و « لما » ظرف يدل على وقوع فعل لوقوع غيره مما هو سبب له ، والمراد بالقرى الأمم والقرون كما تقدم مرارا ، وقال في سورة هود ( 11 : 102 وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) وقد بعث اللّه الرسل في أهل الحضارة دون الهمج واهلاك اللّه الأمم بالظلم نوعان ( أحدهما ) هو مقتضى سنته في نظام الاجتماع البشري وهي أن الظلم سبب لفساد العمران وضعف الأمم ، ولاستيلاء القوية منها على الضعيفة استيلاء موقتا إن كان إفساد الظلم لها عارضا لم يجهز على استعدادها للحياة واستعادتها للاستقلال ، كما تقدم في تفسير ( فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ ) من سورة البقرة « 1 » أو دائما إن كانت غير صالحة للحياة حتى تنقرض أو تدغم في الغالبة كما قال في سورة الأنبياء ( 21 : 11 وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ ) الآيات - وهذا النوع أثر طبيعي للظلم بحسب سنن اللّه في البشر ، وهو قسمان ظلم الافراد لأنفسهم بالفسوق والاسراف في الشهوات المضعفة للأبدان المفسدة للأخلاق ، وظلم الحكام الذي يفسد بأس الأمة في جملتها ، وهذه السنة دائمة في الأمم ، ولها حدود ومواقيت تختلف باختلاف أحوالها وأحوال أعدائها هي آجالها المشار إليها في الآية ( 49 ) الآتية وأمثالها ( ثانيهما ) عذاب الاستئصال للأقوام التي بعث اللّه تعالى فيها رسلا لهدايتها بالايمان والعمل الصالح وأعظم أركانه العدل ، فعاندوا الرسل فأنذروهم عاقبة

--> ( 1 ) راجع ص 454 جزء 2 تفسير طبعة ثانية